في عام 2003 أصدر الباحث في القيادة مايكل واتكينز كتابه «أول 90 يومًا» (The First 90 Days) عن دار نشر كلية هارفارد للأعمال، وطرح فيه فكرة صارت مرجعًا في إدارة الانتقال الوظيفي اسمها «نقطة التعادل». هذه النقطة هي اللحظة التي يبدأ فيها الموظف في الوظيفة الجديدة بإضافة قيمة تفوق ما يستهلكه من وقت زملائه وموارد الشركة وصبر مديره. وكل يوم يسبقها أنت فيه مستهلك صافٍ: تتعلم الأنظمة، وتسأل، وتحتاج من يراجع عملك ويصحح أخطاءك.
كُتب الكتاب أصلًا للقادة والمديرين، لكن منطقه ينطبق على أي موظف ينتقل إلى شركة جديدة، من المحاسب المبتدئ إلى مدير المبيعات الإقليمي. والفرق بين من يصل إلى نقطة التعادل في ثلاثة أشهر ومن يتأخر إلى سنة كاملة ليس الذكاء ولا الشهادة، بل وجود خطة واضحة منذ اليوم الأول. ومن واقع العمل في التوظيف، كثير من حالات عدم التثبيت لا تعود إلى ضعف فني، بل إلى سوء قراءة التوقعات والعلاقات في الأسابيع الأولى. ستجد هنا خطة عملية أسبوعًا بأسبوع لأول 90 يومًا في العمل، مع المخرجات التي يجب أن تسلمها في كل مرحلة، وجدول أعمال جاهز لاجتماعك الأول مع مديرك.
كيف أبدأ في الوظيفة الجديدة
الأسبوع الأول ليس أسبوع إنجاز، بل أسبوع تأسيس، ومن يحاول إبهار الجميع فيه غالبًا يرتكب أخطاء صغيرة تبقى في الذاكرة. الانطباع الأول يتكوّن هنا من أشياء بسيطة: الحضور في الموعد، وحفظ الأسماء، وإنهاء إجراءات الموارد البشرية دون ملاحقة، والسؤال عن الأنظمة قبل أن تحتاجها في مهمة عاجلة. كثير من الشركات في الخليج ومصر لديها برنامج تعريفي رسمي، لكنه نادرًا ما يغطي كل ما تحتاجه فعليًا، لذلك تحمّل أنت مسؤولية استكمال الصورة. ركّز في أيامك الخمسة الأولى على أربعة أمور عملية:
- تفعيل الأنظمة والصلاحيات كاملة: تأكد من عمل البريد ونظام الموارد البشرية وأدوات الفريق مثل نظام إدارة علاقات العملاء أو برنامج المحاسبة، واطلب الصلاحيات الناقصة كتابيًا من اليوم الأول حتى لا تتعطل في أول مهمة حقيقية.
- حفظ الأسماء والأدوار: اكتب اسم كل شخص تقابله ودوره ومن يتبع له، وراجع القائمة مساءً، فمناداة زميل باسمه في اليوم الثالث تبني ثقة أسرع من أي عرض تقديمي متقن.
- رسم الهيكل التنظيمي بنفسك: الهيكل الرسمي يوضح من يتبع لمن، لكنك تحتاج نسخة عملية توضح من يعتمد الميزانية، ومن يملك البيانات، ومن يجب إبلاغه قبل أي تغيير في الإجراءات.
- فهم إيقاع الفريق: اعرف مواعيد الاجتماعات الدورية، وقنوات التواصل المعتمدة، وموعد إغلاق التقارير الشهرية، لأن تفويت موعد لم يخبرك به أحد يُحسب عليك لا على من نسي إبلاغك.
تدوين ما تتعلمه أول بأول
خصص ملفًا واحدًا تسميه «سجل التعلم» وتكتب فيه يوميًا ما عرفته من مصطلحات داخلية وإجراءات وأخطاء وقعت فيها. هذا السجل يمنعك من تكرار السؤال نفسه مرتين، وهو المادة الخام التي ستبني منها تقرير الأسبوع الثاني وتقييم اليوم الثلاثين. وعند انضمام موظف جديد بعدك ببضعة أشهر، يتحول السجل إلى دليل تعريفي تقدمه للفريق، وهذا وحده مساهمة يتذكرها المدير.
خطة 30 60 90 يوم للموظف الجديد
الخطة الجيدة لا تُكتب لتُعلَّق على الحائط، بل لتُعرض على المدير المباشر في الأسبوع الأول ثم تُعدَّل معه. قيمة خطة 30 60 90 أنها تحوّل فترة غامضة إلى محطات قابلة للقياس، فبدل أن يسألك مديرك «كيف تسير الأمور؟» تجيبه بما سلّمته فعلًا. قسّم الأيام التسعين إلى أربع مراحل، ولكل مرحلة مخرج ملموس تسلّمه في نهايتها:
- الأسبوعان الأول والثاني للإصغاء ورسم الخريطة: اجلس مع كل زميل مباشر نصف ساعة، واسأل عن أكبر مشكلة يواجهها وما الذي جُرّب سابقًا. المخرج: مذكرة من صفحة واحدة تلخص ما فهمته عن الفريق وأولوياته وأبرز ثلاث مشكلات متكررة، تعرضها على مديرك للتصحيح.
- الأسبوعان الثالث والرابع لأولى المساهمات: تسلّم مهام صغيرة من العمل اليومي ونفّذها كاملة دون مساعدة مستمرة، مثل إعداد تقرير أسبوعي أو متابعة ملف عميل قائم. المخرج: ثلاث مهام مكتملة بجودة مقبولة، وخطة مكتوبة للمرحلة التالية يوافق عليها المدير.
- الأيام من 31 إلى 60 لتحقيق المكاسب السريعة: اختر مشكلة أو مشكلتين من مذكرتك الأولى يمكن حلها خلال أسابيع دون موافقات معقدة. المخرج: تحسين واحد على الأقل قابل للقياس، مثل تقليص وقت إعداد تقرير من يومين إلى نصف يوم، مع توثيق ما تغيّر.
- الأيام من 61 إلى 90 لامتلاك مشروع والمراجعة: تولَّ مسؤولية ملف كامل تكون أنت مرجعه الأول أمام الفريق والإدارات الأخرى. المخرج: تقرير مراجعة يضم ما أنجزته مقارنة بالخطة، وما تعلمته، وأهدافك للأشهر الثلاثة التالية، تناقشه مع مديرك قبل نهاية فترة التجربة.
لا تتعامل مع هذه المحطات كعقد ملزم؛ إذا تغيرت أولويات القسم في الشهر الثاني فعدّل الخطة علنًا وأبلغ مديرك بالسبب. الموظف الذي يعدّل خطته بوعي يكسب ثقة أكبر ممن يلتزم بخطة فقدت معناها. والأهم أن تبقى المخرجات مكتوبة ومؤرخة، لأنها دليلك الملموس عند مراجعة أدائك في الوظيفة الجديدة.
أسئلة الاجتماع الأول مع المدير المباشر
أهم ساعة في أول 90 يومًا في العمل هي اجتماعك الفردي الأول مع المدير المباشر، ويجب أن يحدث خلال الأسبوع الأول لا بعد شهر. هدف هذا الاجتماع ليس التعارف الاجتماعي، بل الاتفاق على تعريف النجاح، لأن أغلب الخلافات اللاحقة تنشأ من توقعات لم تُقل صراحة. اطلب الاجتماع بنفسك إن لم يبادر مديرك، وأرسل جدول الأعمال قبله بيوم حتى يأتي مستعدًا. رتّب الاجتماع على خمسة بنود:
- تعريف النجاح بعد 90 يومًا: اسأل مباشرة: «ما الذي يجب أن أكون قد أنجزته في نهاية الشهر الثالث حتى تعتبر تعييني قرارًا موفقًا؟» واطلب مثالين محددين بدل الإجابات العامة عن الالتزام والتعاون.
- الأولويات العاجلة والمؤجلة: اعرف ما الذي يحتاجه الفريق الآن، وما الذي يمكن انتظاره، وما الملفات التي يُفضّل ألا تقترب منها في البداية لحساسيتها السياسية أو لأن طرفًا آخر يملكها.
- أسلوب التواصل المفضل: هل يفضل مديرك التحديث المكتوب أم المكالمة السريعة؟ وكم مرة يريد أن يسمع منك؟ ومتى تتصل به خارج الدوام؟ هذه التفاصيل تحدد الانطباع الأول عنك أكثر من جودة عملك في الشهر الأول.
- الموارد والأشخاص الذين تحتاجهم: اطلب منه ثلاثة إلى خمسة أسماء يجب أن تقابلهم داخل القسم وخارجه، واسأل عن الصلاحيات أو الميزانيات التي تحتاج موافقته عليها مسبقًا.
- مواعيد المتابعة والتقييم: اتفق على اجتماع فردي ثابت، أسبوعي أو كل أسبوعين، وعلى جلستي مراجعة في اليوم الثلاثين والستين، حتى لا يكون تقييم فترة التجربة أول مرة تسمع فيها رأيه.
بعد الاجتماع أرسل رسالة قصيرة تلخص ما اتفقتما عليه في نقاط، واختمها بجملة مثل «إن فاتني شيء أو فهمته بشكل مختلف فأخبرني». هذه الرسالة تصبح مرجعك عند أي سوء فهم لاحق.
فهم ثقافة العمل في الشركة الجديدة
لكل شركة قواعد مكتوبة في دليل الموظف، وقواعد أخرى أقوى منها لا يكتبها أحد. من يتكلم أولًا في الاجتماع؟ هل يُناقَش القرار علنًا أم يُحسم في مكتب المدير قبل الاجتماع؟ هل الرد على رسالة واتساب في المساء متوقع أم مزعج؟ في شركات عائلية كثيرة في الخليج يمر القرار عبر شخص قريب من المالك وإن لم يظهر اسمه في الهيكل، وفي بعض الشركات المصرية الكبيرة تُعد المراسلة الرسمية المختومة شرطًا لاعتماد ما اتُّفق عليه شفهيًا. راقب أسبوعين قبل أن تحكم، ودوّن في سجل التعلم كل قاعدة غير مكتوبة تكتشفها. فهم هذه القواعد في الوظيفة الجديدة يوفر عليك أخطاء محرجة لا يذكرها أحد أمامك، لكنها تُروى عنك في غيابك وتؤثر في تقييمك أكثر مما تتوقع.
خريطة العلاقات في العمل
ارسم خريطة من ثلاث دوائر: في المركز المدير المباشر، ثم الزملاء الذين يتقاطع عملك مع عملهم يوميًا، ثم أصحاب المصلحة في الإدارات الأخرى مثل المالية وتقنية المعلومات والمشتريات. الدائرة الثالثة هي التي يهملها الموظف الجديد، مع أنها التي تؤخر مشاريعه لاحقًا إن لم يعرفها مبكرًا. وإذا كان تعيينك عن بعد، فلن تأتيك هذه العلاقات تلقائيًا عند آلة القهوة؛ احجز مكالمات تعارف قصيرة بالفيديو، وشغّل الكاميرا، وكن أسرع في الرد على القنوات المكتوبة من زملائك في المكتب.
كيف أسأل دون أن أبدو تائهًا
السؤال ليس ضعفًا، لكن طريقة طرحه تكشف مستواك. قبل أن تسأل، ابحث خمس عشرة دقيقة في الملفات المشتركة، ثم اذكر ما جرّبته: «راجعت تقارير الربع السابق ولم أجد طريقة احتساب العمولة، هل هناك ملف آخر؟» واجمع الأسئلة غير العاجلة في قائمة تعرضها مرة واحدة بدل مقاطعة زميلك كل ساعة.
النجاح في الوظيفة الجديدة خلال فترة التجربة
فترة التجربة هي الإطار الرسمي الذي تُقاس فيه الأشهر الأولى، لكن القرار الفعلي يتشكل في ذهن مديرك قبل نهايتها بوقت طويل. لذلك يحتاج الشهران الثاني والثالث إلى إنجاز مرئي، وإلى تقييم مستمر تطلبه أنت ولا تنتظره. وكلما ربطت ما تنجزه في الوظيفة الجديدة بالأهداف التي اتفقت عليها مع مديرك في الأسبوع الأول، صار قرار تثبيتك أسهل وأوضح للطرفين.
كيف تختار المكاسب السريعة
المكاسب السريعة ليست أي إنجاز سريع، بل تحسين يلاحظه المدير، ويقع ضمن نطاق دورك، ولا يحرج زميلًا كان مسؤولًا عن الملف قبلك. المحاسب الذي يحوّل مطابقة بنكية يدوية إلى ملف إكسل آلي يكسب أكثر من الذي يقترح تغيير النظام المحاسبي كله. ومندوب المبيعات الذي ينظف بيانات العملاء القدامى في النظام ويعيد التواصل مع عشرة منهم يقدم دليلًا ملموسًا في أسابيع. تجنب المكاسب التي تعتمد على موافقة ثلاث إدارات، فهي ليست سريعة مهما بدت صغيرة.
طلب التقييم في اليوم 30 و60
في جلسة اليوم الثلاثين اسأل سؤالين محددين: «ما الشيء الذي أفعله ويجب أن أستمر فيه؟ وما الشيء الذي يجب أن أغيره؟» ثم كررهما في اليوم الستين واطلب من مديرك أن يقارن بين الإجابتين. التقييم المبكر يمنحك وقتًا لتصحيح المسار، أما الملاحظة التي تسمعها أول مرة في اليوم الخامس والثمانين فلا يتبقى بعدها وقت لإثبات التحسن.
ماذا يعني تقييم فترة التجربة
تختلف مدة فترة التجربة وشروطها من بلد إلى آخر ومن عقد إلى آخر، فاقرأ البند الخاص بها في عقدك واعرف موعد انتهائها بدقة. اسأل الموارد البشرية عن نموذج التقييم المستخدم ومعاييره حتى تعرف ما يُقاس فعلًا. أما التفاصيل القانونية لحقوق الطرفين فلها موضوع مستقل.
أخطاء أول 90 يومًا في العمل
أغلب أخطاء الموظف الجديد لا تأتي من الكسل، بل من حماس في غير موضعه أو من عادات حملها من مكانه السابق. والخبر الجيد أن كل خطأ منها له علاج واضح إذا انتبهت إليه مبكرًا، والزملاء عادة يتسامحون مع زلات الشهر الأول ما دام صاحبها يعترف بها ويصححها دون مكابرة. هذه أكثر الأخطاء التي تتكرر في أول ثلاثة أشهر:
- تغيير الأشياء بسرعة: اقتراح إعادة هيكلة الإجراءات في الأسبوع الثاني يوحي بأنك لم تفهم أسباب وجودها. العلاج أن تسأل أولًا «لماذا نعمل بهذه الطريقة؟» ثم تؤجل مقترحات التغيير الكبرى إلى ما بعد اليوم الستين على الأقل.
- المقارنة الدائمة بالوظيفة السابقة: عبارة «في شركتي السابقة كنا نفعل كذا» تُغضب الزملاء حتى لو كانت صحيحة. أعد صياغتها هكذا: «هل جرّبنا أن نفعل كذا؟ رأيت هذه الطريقة توفر وقتًا في المراجعة»، فتقدم الفكرة دون أن تُشعرهم بالنقص.
- قبول كل طلب يصلك: الموافقة على كل مهمة لإثبات التعاون تنتهي بتسليمات متأخرة تضر سمعتك. ارجع إلى الأولويات التي اتفقت عليها مع مديرك، واسأله بوضوح عن ترتيب المهام عند تعارضها.
- الانعزال عن الدائرة الأوسع: الاكتفاء بالعلاقة مع المدير والزملاء المباشرين يجعلك غير مرئي لبقية الشركة. خصص كل أسبوع لقاءً واحدًا على الأقل مع شخص من إدارة أخرى، حتى لو كان قهوة قصيرة لعشر دقائق.
لاحظ أن الأخطاء الأربعة تتعلق بالتوقيت والعلاقات أكثر من المهارة الفنية. وهذا يؤكد الفكرة الأساسية: الأشهر الثلاثة الأولى اختبار لقدرتك على القراءة قبل الفعل. من يتعامل مع الوظيفة الجديدة كأنها نسخة من مكانه السابق يخسر وقتًا ثمينًا في إصلاح علاقات كان يمكن أن يبنيها بهدوء من البداية.
خاتمة
النجاح في الوظيفة الجديدة لا يتحقق بقفزة واحدة، بل بسلسلة محطات صغيرة تصل بك إلى نقطة التعادل التي وصفها واتكينز، ثم تتجاوزها. ابدأ أسبوعك الأول بتفعيل الأنظمة وحفظ الأسماء ورسم الهيكل الفعلي للقرار، ولا تتعجل الإنجاز قبل أن تفهم السياق. اعقد اجتماع التوقعات مع المدير المباشر مبكرًا، واخرج منه بتعريف مكتوب للنجاح ومواعيد ثابتة للمتابعة. حوّل خطة 30 60 90 إلى مخرجات ملموسة: مذكرة فهم، ثم مهام مكتملة، ثم مكاسب سريعة قابلة للقياس، ثم مشروع تملكه بالكامل. اقرأ ثقافة الشركة غير المكتوبة، ووسّع خريطة علاقاتك إلى الإدارات الأخرى، وخاصة إن كنت تعمل عن بعد. اطلب التقييم في اليوم الثلاثين والستين حتى لا يفاجئك تقييم فترة التجربة بملاحظة لم تسمعها من قبل. وتجنب التغيير المتسرع والمقارنة بوظيفتك السابقة، فكلاهما يهدم الانطباع الأول الذي بنيته بجهد. إذا التزمت بهذه الخطوات، ستكون أول 90 يومًا في العمل فترة تأسيس حقيقي لا مجرد اختبار تحاول اجتيازه.

0 تعليقات